عبد الوهاب الشعراني

470

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلا على يد المعلم المعتاد في عرفهم وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم العلم إلا بالإعلام الروحاني الرباني فهم عاكفون على حضرته ينتظرون ما يفتح اللّه به على قلوبهم قال تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 3 ، 4 ] . وقال تعالى : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : 5 ] . وقال في حق الخضر : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] فصدق المنكرون فيما قالوا : إن العلم لا يكون إلا بالتعلم وأخطأوا في اعتقادهم أن اللّه تعالى لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول قال تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 269 ] . والحكمة هي العلم وجاء بمن وهي نكرة ، ولكن لما آثر هؤلاء المنكرون الدنيا على الآخرة وآثروا ما يتعلق بجناب الخلق على ما يتعلق بجناب الحق وتعودوا أخذ العلم من الكتب وأفواه الرجال الذين من جنسهم ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه تعالى بما علموا وامتازوا عن العامة حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى تعليمهم في سرائرهم على يد ملك الإلهام فعلمهم معاني كلامه وكلام رسله وهو تعالى هو العالم الحقيقي وأطال في ذلك . ثم قال : فلهذا صان أهل اللّه تعالى نفوسهم بتسميتهم الحقائق إشارات فإن المنكرين لا يرون الإشارات وأين هؤلاء المنكرون من قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لو تكلمت لكم في تفسير الفاتحة لحملت لكم سبعين وقرا فهل هذا العلم إلا من العلم اللدني الذي أعطاه اللّه تعالى في القرآن إذ الفكر لا يصل إلى ذلك . وقد كان أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه ، يقول : خطابا للمنكرين عليه في زمانه : قد أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ، وكان الشيخ أبو مدين إذا سمع أحدا يقول : نقل فلان عن فلان : لا تطعمونا القديد أطعمونا اللحم الطري يرفع بذلك همة أصحابه كأنه يقول : لا تحدثونا بفتوح غيركم وحدثونا بفتوحكم الجديد في فهمكم لكلام اللّه أو كلام رسوله . فعلم أن أهل اللّه تعالى ما وضعوا الإشارات التي اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم فإنهم يعلمون الحق الصريح في ذلك وإنما وضعوها للدخيل بينهم حتى أنه لا يعرف ما هم فيه شفقة عليه أن يسمع منهم شيئا لا يصل إلى عقله القاصر فينكر عليهم فيحرم ذلك العلم فإنه قد جرب أن ما أحدا أنكر شيئا على أحد من العارفين إلا وحرم ذلك الشيء عقوبة له وأطال في ذلك ثم قال : وأصل الإنكار كله الحسد المشتمل عليه النوع البشري ولو أن الناس تركوا الحسد لأنيرت